ابن عربي
335
الفتوحات المكية
به لا لأمر آخر ولكن لا يعرف معنى قوام وجوده وإنما يجد داعية من نفسه للاتصال بموجود معين ذلك الاتصال هو محبوبه بالأصالة وذلك لا يكون إلا في موجود معين فيحب ذلك الوجود بحكم التبعية لا بالأصالة فاتصاله اتصال محسوس وقرب محسوس وهو قولنا وجثمانا بجثمان فهذا هو غاية الحب الطبيعي فإن كان نكاحا عين محبوبه في موجود ما فغايته حصول ذلك المحبوب في الوجود فيطلب ويشتاق للمحل الذي يظهر فيه عين محبوبه ولا يظهر إلا بينهما لا في واحد منهما لأنها نسبة بين اثنين وكذلك إن كان عناقا أو تقبيلا أو مؤانسة أو ما كان ولا فرق بين أن تقول طبيعة الشئ أو حقيقته كل ذلك سائغ في العبارة عنه وهو في الإنسان أتم من غيره لأنه جامع حقائق العالم والصورة الإلهية فله نسبة إلى الجناب الأقدس فإنه عنه ظهر وعن قوله كن تكون وله نسبة إلى الأرواح بروحه وإلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته فهو يحب كل ما تطلبه العناصر والطبيعة بذاته وليس إلا عالم الأجسام والأجساد والأرواح ومنها أجسام عنصرية وكل جسم عنصري فهو طبيعي ومنها أجسام طبيعية غير عنصرية فما كل جسم طبيعي عنصري فالعناصر من الأجسام الطبيعية لا يقال فيها عنصرية وكذلك الأفلاك والأملاك ولهذا عرفنا إن الملأ الأعلى يختصمون فيدخلون في قوله تعالى ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك وهم يخالفون هؤلاء المرحومين مخالفيهم ولذلك خلقهم أي من أجل الخلاف خلقهم لأن الأسماء الإلهية متفاضلة فمن هناك صدر الخلاف أين الضار من النافع والمعز من المذل والقابض من الباسط وأين الحرارة من البرودة وأين الرطوبة من اليبوسة وأين النور من الظلمة وأين العدم من الوجود وأين النار من الماء وأين الصفراء من البلغم وأين الحركة من السكون وأين العبودية من الربوبية أليست هذه متقابلات فلا يزالون مختلفين وأين التحليل من التحريم في العين الواحدة للشخصين فيحرم على هذا ما يحل لهذا فيتوارد حكمان مختلفان على عين واحدة فانظر حكم الطبيعة المتضادة من أين صدرت وما كان سبب وجودها متقابلة من العلم الإلهي لتعلموا أنه ليس بيد أحد من المخلوقين مما سوى الله من الأمر شئ لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى أن الآخرة ذات دارين رؤية وحجاب فالحمد لله الذي أبان لنا عن الأمور ومصادرها ومواردها وجعلنا من العارفين بها فالله يجعلنا ممن أسعده بما علمه فقد تبين لك أن المحبوب هو الاتصال بموجود ما من كثيرين أو قليلين ومع كونه مؤانسة ومجالسة وتقبيلا وعناقا وغير ذلك بحسب ما تقتضيه حقيقة الموجود فيه عين المحبوب وبحسب حقيقة المحب فالمحبوب واحد العين متنوع وهو حب الاتصال خاصة إما بحديث أو ضم أو تقبيل هذا تنوعه في واحد أو كثيرين فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلا لأن القلب لا يسعهما فإن قلت هذا يمكن أن يصح في حب المخلوق وأما في حب الخالق فلا فإنه قال يحبهم فأحب كثيرين قلنا الحب معقول المعنى وإن كان لا يحد فهو مدرك بالذوق غير مجهول ولكن عزيز التصور وهو مجهول النسبة إلى الله تعالى فإن الله ليس كمثله شئ فقولك وأما في حب الحق فلا هذا تحكم منك فإنه لا يقول هذا إلا من يعرف ذات الحق وهي لا تعرف فلا تعرف النسبة وتعرف المحبة فإنه ما خاطب عباده إلا بلسانهم وبما يعرفونه في لحتهم من كل ما ينسبه إلى نفسه ووصف أنه عليه ولكن كيفية ذلك مجهولة ( وصل ) وأما القسم الثاني وهو الحب العنصري فهو وإن كان طبيعيا فبين القسمين فارق وذلك أن الطبيعي لا يتقيد بصورة طبيعية دون صورة طبيعية وهو مع كل صورة كما هو مع الأخرى في الحب مثل الكهرباء مع ما يتعلق بها ومسكه بالخاصية وأما العنصري فهو الذي يتقيد بصورة طبيعية وحدها كقيس ليلى وقيس لبنى وكثير عزة وجميل بثينة ولا يكون هذا إلا لعموم المناسبة بينهما كمغناطيس الحديد ويشبهه في الحب الروحاني وما منا إلا له مقام معلوم ويشبهه من الحب الإلهي التقييد بعقيدة واحدة دون غيرها كما يشبه الروحاني الطبيعي في الطهارة ويشبه الإلهي الطبيعي في الذي يراه في جميع العقائد عينا واحدة ( وصل ) واعلم أن الحب كما قلناه وإن كان له أربعة ألقاب فلكل لقب حال فيه ما هو عين الآخر فلنبين ذلك كله فمن ذلك الهوى ويقال على نوعين وهما في الحب النوع الواحد سقوطه في القلب وهو ظهوره من الغيب إلى الشهادة في القلب يقال هوى النجم إذا سقط يقول تعالى والنجم إذا هوى فهو من أسماء الحب في ذلك الحال والفعل منه هوى